محمد سعيد رمضان البوطي

124

فقه السيرة ( البوطي )

قوية به ، عسى أن تتوحد بفضله صفوفهم ويعود فيلتئم شملهم وتذوب وتمحى أسباب الشقاق مما بينهم . ولقد كان هذا مما صنعه اللّه لرسوله ، كما يقول ابن القيم في زاد المعاد « 1 » حتى يمهد بذلك لهجرته إلى المدينة ، حيث اقتضت حكمة اللّه أن تكون هي المنطلق للمدّ الإسلامي في أرجاء الأرض كلها . ثالثا : في بيعة العقبة الأولى ، كان قد تم إسلام عدد من كبار أهل المدينة ، كما ذكرنا ، فكيف كانت صورة إسلامهم ؟ وما هي حدود مسؤولياتهم التي حمّلهم الإسلام إياها . لقد رأينا أن إسلامهم لم يكن مجرد نطق بالشهادتين ، بل كان إسلامهم هو الجزء القلبي والنطق اللساني بهما ، ثم التزاما للبيعة التي أخذها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليهم ، أن ينصبغ سلوكهم بالصبغة الإسلامية عن طريق التمسك بنظمه وأخلاقه وعامة مبادئه ، أخذ عليهم أن لا يشركوا باللّه شيئا ، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ، ولا يعصوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أي معروف يأمرهم به . وهذه هي أهم معالم المجتمع الإسلامي الذي بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لإنشائه . فليست مهمته أن يلقن الناس كلمة الشهادة ثم يتركهم يرددونها بأفواههم وهم عاكفون على انحرافاتهم وبغيهم ومفاسدهم ، صحيح أن الإنسان يصدق عليه اسم المسلم إذا صدّق بالشهادتين وأحلّ الحلال وحرم الحرام وصدّق بالفرائض ، ولكن ذلك لأن التصديق بوحدانية اللّه ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام هو المفتاح والوسيلة لإقامة المجتمع الإسلامي وتحقيق نظمه ومبادئه ، وجعل الحاكمية في كل الأمور للّه تعالى وحده ، فحيثما وجد الإيمان بوحدانية اللّه تعالى ورسالة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام لا بد أن يتبعه الإيمان بحاكمية اللّه تعالى وضرورة اتباع شريعته ودستوره . ومن أعجب العجب ، ما يعمد إليه بعض الذين تأسرهم النظم والتشريعات الوضعية ، ممن لا يريدون المجاهرة بنبذ الإسلام واطّراحه ، حيث يحاولون أن يسلكوا مع خالق هذا الكون ومالكه مسلكا أشبه ما يكون بمسلك الصلح والمفاوضات . وسبيل المفاوضة عندهم ، أن يقسموا مظاهر المجتمع بينهم وبين الإسلام ،

--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 50 ، ط الحلبي .